محمد رأفت سعيد

72

تاريخ نزول القرآن الكريم

عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 164 ) [ آل عمران ] . وعلى هذه المهمة تكون أمته كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [ آل عمران : 110 ] والطريق إلى القيام بهذه المهمة يتضح منذ اللحظة الأولى ، ومن التوجيه الأول والأمر الكريم « اقرأ » ، وتستطيع بناء على ذلك أن تقرر أن أول مبدأ يقرره الوحي ، القراءة والتي هي مفتاح العلم الذي سيرد ذكره بعد قليل . وعلى ذلك يمكن أن نقول أيضا : إن من بين المقاييس بل ومن أهمها في قياس درجة تفاعل الأمة مع إسلامها ، ومع وحى ربها مقياس القراءة ، فالأمة المسلّمة لربها أمة قارئة عالمة . وتتبع هذا المبدأ ملازمة ومنهج صحيح يرش طريق القراءة ، وهو مبدأ القراءة باسم الله الرب الخالق العظيم سبحانه وتعالى ، اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ . وللعلماء في توجيه ذلك أقوال منها : ما قاله أبو عبيدة : أن الباء زائدة وعلى ذلك يكون المعنى اقرأ اسم ربك ، ومعنى ذلك اذكر اسمه . ولكن يذكر الرازي ضعف هذا الرأي لوجوه يقول فيها : أحدها أنه لو كان معناه اذكر اسم ربك ما حسن منه أن يقول ما أنا بقارئ . أي لا أذكر اسم ربى . وثانيها : أن هذا الأمر لا يليق بالرسول ؛ لأنه ما كان له شغل سوى ذكر الله فكيف يأمره بأن يشتغل بما كان مشغولا به أبدا ، وثالثها : أن فيه تضيع الباء من غير فائدة . ولكن يمكن أن نناقش رد الرازي لهذا الرأي بقولنا : إن إجابة الرسول عن قول جبريل : « اقرأ » فقط كما جاء في الرواية التي ذكرناها سابقا ، فكان يضمه ويقول له : « اقرأ » فيقول : « ما أنا بقارئ » وليست الإجابة إذن كما يذكر الإمام الرازي عن قوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ [ العلق : 1 ] . بل نزلت الآية بعد الضمة الثالثة وإجابة الرسول : « ما أنا بقارئ » ، تقرير للأمية التي هي دليل إعجاز للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ، حتى لا يقال ما قاله بعض المشركين أنه قرأ كتب الأولين : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ ( 48 ) [ العنكبوت ] . وهذا يناسب أيضا الآية الكريمة التي تنبهه أن قراءته ستكون باسم الله وتعليمه وقوته وليست من ذاتك أو جهدك الشخصي أو تعلمك السابق . أما قول الرازي : إن هذا لا يليق بالرسول ؛ لأنه ما كان له شغل سوى ذكر الله ،